يعاني سكان غزّة والضفّة الغربيّة من المصاريف الكارثيّة على الصحّة المخيمات: الفقر وانعدام الأمن الغذائي يسجلان معدّلات مرتفعة

يعاني سكان غزّة والضفّة الغربيّة من المصاريف الكارثيّة على الصحّة  المخيمات: الفقر وانعدام الأمن الغذائي يسجلان معدّلات مرتفعة

«

لا يمكنني أن أجد شخصاً يتمتّع بحياة سعيدة، إذ حتّى الأشخاص الذين يملكون المال أو يعملون في وظائف جيّدة هم يفتقدون الحريّة، حريّة التعبير والتجوال والسفر والتعرّف إلى ثقافات مختلفة بسبب الاحتلال الإسرائيلي ونقاط التفتيش والجنود الإسرائيليين الذين يطرقون الأبواب على غفلة». بهذه الكلمات أجاب فلسطينيّ من الضفّة الغربيّة عن سؤال «ما الفرق بين شخص يمتّع بحياة جيّدة وآخر يفتقدها».

تندرج الإجابة تلك ضمن مشروع «بال» الذي يديره الأستاذ في «جامعة تينيسي» الأميركيّة بريان باربر في قطاع غزّة والضفّة الغربيّة لدراسة نوعيّة حياة الأشخاص وتطوّرها منذ الانتفاضة الأولى.

وخلال جلسات أمس من المؤتمر في شأن «صحّة الفلسطينيين داخل الأراضي الفلسطينيّة وخارجها» الذي نظّمه «معهد الصحّة العامة والمجتمعيّة» في «جامعة بيرزيت» وكلية العلوم الصحيّة في «الجامعة الأميركيّة» في بيروت، أكّد باربر أن الأوضاع السياسيّة في الأراضي الفلسطينيّة هي العامل الأكثر تأثّيراً في نوعيّة حياة الفرد ووضعه الصحّي.

وأيّد مدير مكتب «منظّمة الصحّة العالميّة» في قطاع غزة والضفّة الغربيّة طوني لورانس موقف باربر، خصوصاً أن 33285 مريضاً يحتاجون إلى تصريح من الاحتلال للحصول على العلاج خارج قطاع غزّة والضفّة الغربيّة، وغالبا ما تماطل القوات الاحتلال أو تلغي الموافقة على التصريح. ولاحظ لورانس مشكلة توقّف سيارات الإسعاف على نقاط التفتيش ونقل المرضى من سيارة إلى أخرى، مما يؤدّي إلى تدهور الوضع الصحّي للمريض.

تعاني نسبة واحد في المئة من سكان قطاع غزّة والضفّة الغربيّة من المصاريف الكارثيّة على الصحّة، أي ان أكثر من أربعين في المئة من مصروف الفرد (باستثناء مصروفه على الطعام) يذهب لتغطية الحاجات الصحيّة. وتعاني نسبة 0.8 في المئة من الفقّر الناجم عن سداد مصاريف الخدمات الصحيّة. وتعتبر الأرقام تلك، وفق الاقتصادي الصحّي في المكتب الإقليمي للشرق المتوسط لـ«منظمة الصحة العالميّة» الدكتور عوض مطرية، مرتفعة، مما يوجب إعادة دراسة توزيع التمويل الصحّي وتوفير الموارد الماليّة الإضافيّة.

وتظهر البحوث العلميّة في شأن واقع اللاجئين في الشتات ظروفاً صحيّة ومعيشيّة صعبة.

ففي شهري تموز وآب عام 2010، أجرت «وكالة الأونروا» و«الجامعة الأميركيّة» في بيروت دراسة في شأن الأوضاع الصحيّة والظروف المعيشيّة للاجئين الفلسطينيين في المخيمات في لبنان. وأشرفت على الجزء المرتبط بالصحّة الأستاذة المشاركة في كليّة العلوم الصحيّة في «الأميركيّة» الدكتورة ريما حبيب. شملت الدراسة 2501 أسرة تضمّ 11092 شخصاً. وأظهرت النتائج، وفق حبيب، أن خمسين في المئة من الشباب الذين تراوح أعمارهم بين ستة عشر عاماً وثمانية عشر عاماً غير ملتحقين بالمدارس، وأن ثلثي المراهقين الذين تجاوزوا الخمسة عشر عاماً لا يتابعون دراستهم الثانويّة، وأن 63 في المئة من الأشخاص في سنّ العمل هم عاطلون من العمل، وأن 66.4 في المئة من الأفراد يتقاضون أقلّ من ستة دولارات في اليوم.

أضافت حبيب أن ثلث العينة تعاني أمراضاً مزمنة يزيد انتشارها عند الفئات الفقيرة والمتقدّمة في العمر. واستناداً إلى الأرقام، فإن النساء، والمتقدّمين في السنّ، والأفراد الذين لم يكملوا تحصيلهم العلمي، والذين يعانون أمراضاً مزمنة أو شديدة، والذين يعيشون في عائلات كبيرة وفي بيوت تفتقر إلى المقوّمات الأساسيّة، هم أكثر عرضة للإصابة باضطرابات نفسيّة.

وفي سياق متّصل، عرضت مساعدة رئيس بعثة «أطباء بلا حدود» زينا غنطوس نتائج دراسة قامت بها البعثة في العام 2010 في مخيّم برج البراجنة. شملت الدراسة 748 فردا، وأظهرت النتائج أن نسبة خمسة عشر في المئة يعانون اكتئابا شديدا، وأن أربعة في المئة يعانون اضطراباً ثنائي القطب، وأن 24 في المئة من اضطرابات المزاج والقلق. وركّزت غنطوس على النقص في التوعية وتوفير العلاج، إذ لا تتلقى نسبة 96 في المئة من المرضى المتابعة النفسيّة، وتعتبر نسبة أربعين في المئة من المرضى أنها ليست بحاجة إلى علاج طبّي أو نفسيّ.

وأكّدت الدكتورة في كلية الزراعة والعلوم الغذائيّة في «الأميركية» هلا غطاس أن الفقر وانعدام الأمن الغذائي يسجلان معدّلات مرتفعة في المخيمات الفلسطينيّة في لبنان. أجريت الدراسة عام 2010 وشملت 2501 أسرة، وبيّنت أن نسبة 68.3 في المئة تواجه أمناً غذائياً هشّاّ، وأن نسبة 12.7 في المئة من العينة تعاني انعدام الأمن الغذائي بمستوى شديد. ويرتبط انعدام الأمن الغذائي بالفقر، وبحجم العائلة، وبجنس ربّ العائلة ونوع مهنته.

واعتبرت الدكتورة في كلية العلوم الصحيّة في «الأميركيّة» ريما عفيفي أن ظاهرة الاستقواء عند الأولاد في مدارس اللاجئين في لبنان وسوريا والأردن والأراضي الفلسطينيّة مرتبطة بواقع العنف وسيطرة القوة، ولا تقتصر على المجتمعات الفلسطينيّة. وعرضت عفيفي نتائج دراسة في شأن الاستقواء عند التلاميذ أجرتها «وكالة الأونروا» عام 2010 في مئة واثنتي عشــرة مدرسة، وشملت 9973 تلميذاً في صفوف السابع والتاسع، أظهــرت أرقــام الدراسة أن ستين في المئــة من الذكور وخمسين في المــئة من الإناث تعرّضوا لحالات استقواء معنوي أو جسدي أو لفظي أو جنسي، فما يؤثّر في صحتهم النفسيّة. وشكّل الذكور والتلاميذ الذين يعانون زيادة أو نقصاً في الوزن، ومن هم أكبر سنّاً هم فئة أكثر عرضة للاستقواء.

تنطفئ الأضواء في القاعة لبرهة، لا يبدّد الأستاذ في «جامعة أوكسفورد» البريطانيّة إيان شالمرز الوقت، فيفصح أنه حين زار فلسطين للمرّة الأولى شعر بالعار لأن دولته ساهمت في إقامة الاحتلال الإسرائيلي، يصفّق حاضرون وتعود الأنوار من جديد.

المصدر: ملاك مكي – السفير