كعادته كل مساء، يجمع الجد أحفاده من حوله يقصّ عليـهم حكايات ما قبل النـوم، وفي هذه المرة أخبرهم أنه سيحكي لهم حكاية المفتاح.
ويسرد الجد حكاية المفتاح والأرض الشاسعة التي تغطيها أشجار الزيتون والأطفال الذين ينتظرون الحصاد. وفجأة، تغير عصابات حاقدة على القرية، فتحرقها وتحرق الشجر والزرع، وتحول أشجار الزيتون إلى أعواد محروقـة. ويموت صغار القرية وكبارها، إلا أن الـجد يقبض على مفتاحه ليُورثه للأجيال القادمة وتتلقفه تلك الأجيال كما يروي الفيلم “حكاية مفتاح” والذي يقصّ على العالم حكاية اللجوء والتشرد.
ولأن الصورة هي التي تحكي اليوم، فإن العودة وقضية اللاجئين تستحق أن تنال مكانتها في هذا الجانب بعيداً عن الخطابات والنداءات التقليدية. وفي حديث مع الرسامة الفلسطينية أميمة جحا قالت:” إن الفيلم أراد تذكير العالم بقضية حق العودة والرجوع إلى الدار”.
عدالة القضية
أكدت الفنانة أنها تتمنى دعم هذا المجال والقيام بالعديد من الأفلام التي تحكي عن حق العودة، غير أنها تعترف بقصور الدعم تجاه هذه القضية، وتستدرك قائلة:”محلياً وعربياً وعالمياً، يجب دعم هذه القضية والعمل على إنتاج العديد من الأفلام. هناك أفكار كثيرة نتمنى ترجمتها إلى صورة وفيلم. اليوم الصورة تساوي ألف كلمة، فكيف إذاً بالصورة وهي تتحدث؟”.
وشددت جحا على أن القضية الفلسطينية، ولا سيما النكبة ومراحلها من لجوء وتشرد، تحتاج إلى توثيق وتذكير العالم الذي لا ينفك يتباكى على اليهود: “علينا أن نقول إننا هنا بكافة الأشكال الفنية، وفي مقدمتها الأفلام الوثائقية الكرتونية…”.
وما زال الفلسطينيون يأملون أن تطل عليهم رائعة كرائعة التغريبة الفلسطينية التي رسمت الملامح الدرامية التاريخية للجرح الفلسطيني، وفي مقدمتها فصول التشرد واللجوء.
وسلط العمل الرائع الذي كتبه الكاتب الفلسطيني وليد سيف وأخرجه المخرج السوري حاتم علي على التجارب الإنسانية للاجئين.
وتمنى الخبير الإعلامي الفلسطيني “فريد أبو ضهير” أن يرى العالم أكثر من تغريبة فلسطينية، وأن يُسلَّط الضوء على معاناة الفلسطينيين من خلال إنتاج الأفلام الوثائقية والمسلسلات التي تحكي قصة النكبة واللجوء.
ورأى أبو ضهير أن العالم اليوم كله يتسمّر أمام الإعلام المرئي وما تتحدث به الصورة وأضاف: “لهذا، يجب على الفلسطينيين أن يهتموا لهذا الجانب، وعلى المخرجين أن يقدموا العديد من الأفلام التي تتحدث عن معاناة الشعب الفلسطيني والبحث في تفاصيل الهجرة والنكبة وتقديمها بصورة إنسانية وصورة تؤكد حق الشعب الفلسطيني في البقاء بعيداً عن الصورة الدامعة فقط. واستدرك بالقول: “نريد صوراً تخبر العالم بحقيقـة قضيتنا وبعدالتها”.
في خدمة القضية
فلسطين لم تكن في منأى عن السينما من قبل النكبة، وكان لها نشاطات عديدة. ففي عام 1935، قام مخرج فلسطيني بعمل فيلم عن زيارة الملك عبد العزيز للقدس، واستمرت هذه الصناعة إلى ما بعد النكبة. بهذه الكلمات بدأ المخرج الفلسطيني بشار حمدان حديثه لـ”العودة”، ومضى يقول: “ولقد كانت هناك دائرة متخصصة في منظمة التحرير الفلسطينية تسمى دائرة السينما لإنتاج الأفلام، وكانت تابعة لدائرة الثقافة عملت على تنفيذ العديد من الأفلام تناقش القضية الفلسطينية”.
وتابع بالقول: “تشهد الأفلام الفلسطينية اليوم نقلة نوعية باتجاه التعريف بالقضية بعيداً عن الخطاب الحزبي والأيديولوجي، وهو أمر ليس جديد؛ فمنذ الثمانينيات كان فيلم “ذاكرة خصبة” للمخرج ميشيل خليفي.. وقُدم خلال هذه الفترة العديد من الأفلام البعيدة عن البكاء والنحيب وتعكس صورة للمشهد الفلسطيني”.
الصــورة… تحكي للعـالم قصــة مفتاح الدار
وأكد ضرورة رواية الكثير من الحكايات الإنسانية التي حدثت خلال الهجرة وما قبلها؛ فهي تكاد تغيب بمضي الزمن وموت الأجداد، مضيفاً: “إن ذلك جزء من عملية “المقاومة المدنية” ويجب المشاركة فيها لتقديم أفلام عن فلسطين تسعى إلى ما وراء لخبر وما أغفلته وسائل الإعلام… وذلك بهدف كسب التأييد مع كافة قطاعات الشعب الفلسطيني من خلال تقديم الأفلام”.
وشدد على ضرورة وجود مشروع يعنى بتقديم سلسلة أفلام عن “الإنسان” الفلسطيني وحضوره، والتقاط التفاصيل الغائبة وإعادة الرواية للكثير من المسلمات التاريخية التي يوجد ضرورة لإعادة النظر فيها أو أقلها روايتها بلسان أولئك الذين عاشوا مراحل مهمة وكانوا شهوداً، بهدف أن يكون هناك استفادة أكبر للمستقبل حول “فلسطين”.
قصور وصعوبات
ورأى المخرج الفلسطيني حمدان، أن القصور كبير في صناعة الفيلم الروائي الذي يخدم القضية الفلسطينية، وخاصة اللاجئين وحق العودة، ويعود إلى عدة أسباب أهمها “أن الأمر يعود غالباً إلى صعوبة الإنتاج وتكلفتها العالية. وأحياناً كثيرة يضطر المخرج إلى تقديم التنازلات التي تلبي رغبة المنتج… فمثلاً لو أردنا إنتاج فيلم عن المقاومة المسلحة في فلسطين فمن الصعب جداً إيجاد تمويل غربي يدعم أي مشروع يؤيد المقاومة المسلحة باعتبارها” إرهاباً”، وإن كانوا متعاطفين مع القضية. حتى الأفلام التي تتحدث عن الفدائيين، قدمت الاستشهادي على أنه شخص يائس من الحياة وغير راغب فيها”.
وأشار حمدان إلى أن الأفلام الوثائقية هي أكثر الأفلام التي تنتج عن القضية الفلسطينية، ولها حضور فعال، ولكنها لا تزال تحتاج إلى خطوات للأمام وتقدم أكثر من ذلك، مستدركاً: “وأهم المشاكل التي من الممكن أن تعانيها هي مشكلة التمويل والإنتاج وأيضاً التسويق، بالإضافة إلى أن السينما الفلسطينية لا تملك الأدوات لتقديم سينما حقيقية عن القضية”. ♦


