صفحات من وجع اللجوء

على أعتاب الذاكرة يفتح صفحات من وجع اللجوء

الحاج عبد القادر: في كل يوم يمضي نصمم أكثر على استرداد حقوقنا

العودة/غزة

على عتبات بيته المتهالك، اتكأ الحاج “عبد القادر أبو جلهوم” على أريكة بالية، معلناً تعباً بالغاً. وباهتمام شديد، أخذ ينصت إلى صوت المذياع الذي أخذ يصدح باقتراب ذكرى وعد بلفور الخامسة والتسعين.

وبغضبٍ شديد، عدل الحاج عبد القادر من جلسته قائلاً:”هذا الوعد الذي منحته بريطانيا لإسرائيل تاريخ أسود على كل الفلسطينيين، وهو السبب الأول والرئيسي في ضياع أرضنا وتشريدنا ونكبتنا”.

وبحزنٍ احتل قسمات وجهه مضى يقول: “إن وعد بلفور المشؤوم وضع الأساس للخطيئة الكبرى التي تمثلت في احتلال كافة الأراضي الفلسطينية وتشريدنا في كل بقاع العالم. وهو السبب في معاناتنا الممتدة منذ عقود”.

وبعد صمتٍ طويل تكفل في إنعاش ذاكرته المثقلة والممتد عمرها لأكثر من ستة عقود، تابع الحاج “أبو جلهوم” حديثه”: “تعود أصولي إلى قرية هربيا (الواقعة جنوب فلسطين إلى الشمال من مدينة غزة). وخلال الحرب فقدت والدي ووالدتي، وكان وقتها عمرها 15 عاماً. طاردتنا قذائف الموت ولم يرحم الاحتلال صغيراً أو كبيراً.. هدموا البيوت على ساكنيها. نسفوا المساجد ولم يبق شيء على حاله”.

إرثنا للأجيال القادمة

وبألم استدرك:”ولولا هذا الوعد المشؤوم لما جرؤت إسرائيل علينا واحتلت أرضنا بكل هذا العنف والشراسة، ولما قتلونا ودمروا بيوتنا لتمتد معاناتنا حتى يومنا هذا، ولا تفلح أي من المنظمات الإنسانية أو القوانين الدولية بإعادتنا إلى بيوتنا وأراضينا”.

وشدد الحاج “أبو جلهوم” على أنه رغم مرور عشرات السنوات على النكبة، إلا أنه في كل يوم يمضي نصمم أكثر على العودة واسترداد حقوقنا، مضيفاً: “وهذا الإرث سنسلمه للأجيال القادمة من بعدنا، ولن نفرط به أبداً”.

ورأى الشاب سائد عثمان (28سنة)، وتعود أصوله إلى مدينة المجدل، أن الدول الغربية والأوروبية الاستعمارية هي التي أعطت هذا الوعد الأسود.ومنذ 1917/11/2ما زالوا يقدمون كل أشكال الدعم للكيان الإسرائيلي، متنكرين لآلام الشعب الفلسطيني.

وأشار إلى أنّ الغرب يحاول بكل الوسائل التنصل من الجريمة والخطيئة التي أوجدها، ويحاول إجبار الفلسطينيين على نسيان ما حصل والتكيّف مع المأساة وآلامها وعدم التفكير بالعودة مجدداً إلى الأراضي التي هُجروا منها.

وبالرغم من مرور 95 عاماً على صدور وعد بلفور، إلا أنّ الأيام والسنوات لم تنجح في مسح الذاكرة الفلسطينية التي ما زالت تعي جيداً حجم المؤامرة التي حاكها للشعب الفلسطيني آرثر جيمس بلفور، ومن خلفه الحكومة البريطانية التي وقفت بكل ثقلها من أجل إقامة دولة للاحتلال الإسرائيلي وإعطاء “ما لا تملك لمن لا يستحق”.

ويتـواصل التهجيـر

وفي الذكرى الـ”95″لوعد بلفور، لا تتوقف الأرقام والصيحات التحذيرية من تذكير العالم وأحراره بأنّ اللاجئين يعيشون أوضاعاً صعبة وخطيرة تزيد من بؤس اللاجئين الذين كانوا بضع مئات من الألوف عام 1948، فيما الآن أعدادهم أصبحت أكثر من خمسة ملايين مُشتت ولاجئ في مختلف أصقاع الأرض.
وفي أحاديثهم لـ”العودة”، رأى خبراء ومحللون سياسيون فلسطينيون أن وعد بلفور وما تلاه من وعود كان هدفه الأساسي القضاء على حق العودة والإسهام في قتل قضية اللاجئين ووأدها.

وأكد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الإسلامية بغزة، الدكتور وليد المدلل، أن قضية اللاجئين وُلّدت عندما جاء قرار إقامة الدولة اليهودية، وأضاف: “للأسف، جاء هذا الوعد وما تلاه من قرارات مجحفة وظالمة بحق الفلسطينيين ليكتب حكاية اللجوء والتشريد وليتكرر في كل يوم وعد بلفور الكارثي”.
وقبل 95عاماً، وتحديداً في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر1917، كان الفلسطينيون على أكبر موعدٍ مشؤوم في تاريخهم، تجسد في “وعد بلفور” الذي منحت بموجبه بريطانيا المحتلة لفلسطين “الحق” لليهود في إقامة وطن قومي لهم في فلسطين، ومن هنا نشأت مقولة “من لا يملك أعطى من لا يستحق”.

ورأى المدلل أن هذا الوعد الصادر عن قوى لها نفوذها وأن هذا الوعد الذي بات من وثائق الأمم المتحدة وما يُعرف بقوانين الانتداب، هو من أسوأ ما عرفه التاريخ الفلسطيني، ولا يزال اللاجئون الفلسطينيون يتجرعون مرارته في كل مكان.

وأضاف متابعاً: “هو الأخطر بسبب ما تلاه من تقسيم وتشريد وأوجاع وصمت عالمي ووعد رعته كل الأنظمة القوية في العالم. بلفور أراد لليهود أن يسيطروا كاملاً على الأرض. واليوم ما يجري على الأرض تطبيق للوعد البريطاني، بل استمرار في القضاء على ما بقي من حقوق فلسطينية، سواء كانت أراضي في الضفة أو مقدسات في القدس… ومواصلة تهجير الفلسطينيين وتشريدهم، هي خطوات متدرجة لاستكمال السيطرة على كامل الأرض وتهجير الإنسان، وما زالت تتواصل”.

بلفور جديد

وكان الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في آخر وأحدث إحصائية تحدثت عن اللاجئين قد أفاد بأن 66% من الفلسطينيين الذين كانوا يقيمون في فلسطين عام 1948 قد هُجِّروا.

وقد بلغت نسبة اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى وكالة الغوث في الأردن نحو40% من إجمالي اللاجئين الفلسطينيين، فيما بلغت النسبة في لبنان 9.1% وفي سورية 10.0% من اللاجئين المسجلين لدى وكالة الغوث.

وتشير البيانات لعام 2011 إلى أن نسبة السكان اللاجئين في الأراضي الفلسطينية نحو 44% من مجمل السكان الفلسطينيين المقيمين في الأراضي الفلسطينية. وتشير البيانات أيضاً إلى أن نحو 30% من السكان في الضفة الغربية لاجئون، أي إنّ من بين كل 10 أفراد هناك 3 أفراد لاجئين، فيما بلغت نسبة اللاجئين في قطاع غزة نحو 67%، أي إنّ من بين كل 10 أفراد هناك 7 أفراد لاجئين.

وفي حديثه لمجلة “العودة”، رأى الخبير السياسي الفلسطيني الدكتور عبد الستار قاسم أن وعد بلفور وما تلاه من وعود جاء ليشطب حق العودة لملايين اللاجئين ويحرمهم أوطانهم.

وأشار قاسم إلى أن ما يجري الآن من إهمال لقضية اللاجئين والبحث عن مخارج لتوطينهم هو إعادة لكتابة وعد بلفور وتكريس لعملية تهويد الأرض والمقدسات وتشريد السكان، واستدرك بالقول: “نحن اليوم نعيش وعد بلفور واقعاً، فما يجري على الأرض من ممارسات ما هو إلا بلفور جديد يشطب حق العودة…وللأسف فلسطين في كل يوم ينكبّ عليها المزيد من الوعود التي تُجرد الفلسطينيين من حقوقهم”.

ويرى المختص في شؤون اللاجئين، الدكتور عصام عدوان، أن فلسطين تدفع اليوم ثمن وعد بلفور المشؤوم، وأضاف: “هم أرادوا بهذا الوعد والتقسيم والتشريد أن يغيّبوا الوعي والذاكرة الفلسطينية. هذا الوعد كان بمثابة الجريمة التي أعطت الحق لمن لا يملك في ما لا يستحق”.

وأشار عدوان إلى أن اللاجئين طوال العقود الماضية تحلّوا بالصمود والصبر، وتمسكوا بحقوقهم وثوابتهم على مواقفهم… وأنهم على الرغم من أوجاع اللجوء والتشريد، إلا أن حق العودة لا يترك ذاكرتهم ولا عقولهم”.

ودعا عدوان المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته الأخلاقية تجاه الشعب الفلسطيني، مشدداً على أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأنّ ما بُني على باطل فهو باطل.
“من لا يملك لمن لا يستحق”

وكان وعد بلفور قد جاء على شكل تصريح مكتوب موجه في الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1917 من قبل آرثر جيمس بلفور وزير خارجية بريطانيا آنذاك في حكومة ديفيد لويد جورج إلى أحد زعماء الحركة الصهيونية العالمية اللورد ليونيل والتر روتشيلد يتعهد فيه إنشاء “وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”، واشتهر هذا التصريح حينئذ باسم “وعد بلفور” أو “وعد من لا يملك لمن لا يستحق”.

وجاء في نص الوعد الكارثي:”عزيزي اللورد روتشيلد، يسرني جداً أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة صاحب الجلالة التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية وقد عرض على الوزارة وأقرته: إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية على أن يكون مفهوماً بشكل واضح أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى، وسأكون ممتنًّاً إذا ما أحطتم اتحاد الهيئات الصهيونية علماً بهذا التصريح. المخلص آرثر بلفور”.

هذا الوعد جاء بعد مفاوضات استمرت ثلاث سنوات بين الحكومة البريطانية من جهة واليهود البريطانيين والمنظمة الصهيونية العالمية من جهة أخرى، واستطاع من خلالها الصهاينة إقناع بريطانيا بقدرتهم على تحقيق أهداف بريطانيا والحفاظ على مصالحها في المنطقة.

وفور إعلان هذا الوعد، سارعت دول أوروبا، وعلى رأسها فرنسا وإيطاليا، فضلاً عن أميركا، بإعلان التأييد له. ♦