كتبت – نوريهان سيف الدين:
عزيزي اللورد روتشيلد، إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامةمقام قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذهالغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوقالمدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين،ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر .. المخلص: آرثر جيمس بلفور”
كان هذا نص الرسالة المرسلة من وزيرالخارجية البريطاني ”جيمس آرثر بلفور” في الثاني من نوفمبر 1917، إلىالسياسي وعضو الاتحاد الصهيوني ”اللورد دي روتشيلد”، فيما عرف تاريخيابـ”وعد بلفور”، ووصف بأنه: وعد من لا يملك ”البريطانيين” لمن لا يستحق ”الإسرائيليين”.
الوعد وصفوه بأنه تعويض لليهود لما لاقوه مناضطهاد وإنكار لحقوقهم، خاصة في دول شرق أوروبا، واعترافا بصنيع كبارالعائلات و رجال الأعمال اليهود بعد دورهم في الحرب العالمية الأولى،ومساندة ”رأس المال” للتاج البريطاني و”الحلفاء” في الانتصار على ”المحور” باختراعهم ”الأسيتون الحارق”، وهو سبب ”تافه جدا” لزرع شعبكامل على أرض شعب آخر.
إلا أن ”الوعد” في حقيقة الأمر هو تخلص من ”صداع مزمن في رأس الدول” هم اليهود؛ فطبيعة المجتمعات اليهودية ترفضالاندماج، و تريد فقط حقوقها كاملة دون عناء، علاوة على تركيز الثروة فيأيدي العائلات اليهودية الكبيرة، ودورها في ”الأزمات الاقتصاديةالعالمية” مطلع القرن العشرين، واستئثارها بتجارة السلاح الدولية.
حقيقةالأمر أن تجمعات اليهود بدأت أواسط ونهايات القرن التاسع عشر، وظهرتالرغبة في تجميع شتات اليهود إيذانا بالعودة للأرض المقدسة التي وعدهم الربملكها آخر الزمان، لكن ثمة خلافات مذهبية منعت تبلور الفكرة، حتى ظهر ”تيودور هرتزل” الصحفي النمساوي اليهودي، وانعقد ”المؤتمر الصهيونيالأول 1897” في سويسرا، وخلص فكره إلى ”السعي لإقامة الوطن” بدلا منالانتظار لآخر الزمان، و ركز في دعوته على فقراء اليهود في أوروبا الشرقيةوانتشالهم من تجمعات ”الجيتو” الفقيرة، ومساعدة كبار التجار وأغنياءاليهود، ويأتي دور ”القرار السياسي” في النهاية.
فكرة إقامة الوطنفي ”القدس – أرض الميعاد” قوبل برفض شديد من السلطان العثماني ”عبدالحميد الثاني”، ولم ينجح ”سيف المعز وذهبه” في تهديد أو ترهيب السلطانمن جانب ”هرتزل” تسانده بريطانيا، واتجه الفكر إلى إنشاء وطن قومي لليهودفي المستعمرة البريطانية ”أوغندا”، لكنها لم تلق قبولا في المؤتمرالصهيوني، واتجه الفكر إلى ”الأرجنتين”، لكن ”فلسطين” عادت للظهور بقوةبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وهزيمة الإمبراطورية العثمانية، وقدومالاستعمار الإنجليزي والفرنسي لبلدان الشرق.
حتى صدور ”وعد بلفور” كانت فلسطين لا تزال ضمن أراضي الدولة العثمانية، لذا سمي الوعد بـ”من لايملك لمن لا يستحق”، رغم ”الانتداب البريطاني على فلسطين والأردن” بموجب ”معاهدة سيفر”، وكانت إشارة البدء لتدفق اليهود بأعداد كبيرة لفلسطين،وتسهيل عمليات الاستيلاء على الأراضي وتهجير الانتداب للفلاحينالفلسطينيين، وبيعها ببخس الأثمان للوافدين الجدد لبناء مستعمراتهم عليها.
لبدايةجاءت بتهجير فقراء العمال والمزارعين اليهود لإقامة بنية تحتية للوطنالجديد، ثم جاءت الهجرة الثانية من أسر الطبقة الوسطى و بعض الأغنياء، وهيالتي شهدت خروج الجيل الأول من رجال الدولة والساسة الإسرائيليين، ثمالهجرة الثالثة لأصحاب النفوذ والقوة و المال، ورغم ذلك، فضّل بعض ”الصهاينة” البقاء في أوطانهم الأصلية لدعم الوطن الجديد ”إسرائيل” عبرالضغط على بلدانهم، وهو ما يعرف اليوم بـ”اللوبي الصهيوني”.
مارستالعصابات الصهيونية أبشع الجرائم بحق الفلسطينيين، وشهد عام 1920 أولانتفاضة فلسطينية ”انتفاضة النبي موسى” ضد سياسات الانتداب والسماح بتدفقاليهود والاستيلاء على الأراضي، وفي العام التالي اندلعت ”انتفاضة يافا” بعد مذبحة المستوطنين بحق السكان الأصليين.
هدمت البيوت وحرقت أشجارالزيتون وبارت الأرض، وكادوا يهدمون ”حائط البراق” 1929، واشتعلت الثورةمن جديد، وتأسست أول كتائب المقاومة ”الكف الأخضر” عام 1930، وشرعالفلسطينيون في أطول إضراب امتد لـ137 يوما، وذلك عام 1936 احتجاجا علىسياسات التهويد للأرض.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في 29نوفمبر 1947، جاءت ”الضربة القاضية” بقرار الأمم المتحدة لـ”تقسيمفلسطين” لدولة عربية و أخرى يهودية، وتبقى ”القدس وبيت لحم” تحت الإشرافالدولي”، وفي 14 مايو 1948 انتهى الانتداب البريطاني على فلسطين، وبعدهبـ”5 دقائق” أعلن قيام ”دولة إسرائيل”، واعترفت بها على الفور الولاياتالمتحدة وبريطانيا وعدة دول أخرى، بعد أن كانت توسعت لحوالي 75% من مساحةأراضي الانتداب.
دخلت 6 دول عربية ”مصر، الأردن، سورية، لبنان،العراق، السعودية” حربا ضد العصابات الصهيونية، وهو ما عرف بـ”حرب فلسطين 1948”، وبعد تقدم عربي ملحوظ، جاء قرار وقف القتال، واستغلته عصابات ”البلماخ والهاجاناه وإرجون وشيترن” لتقوية أسلحتها، و عادت الحربليتراجع العرب، وتصبح ”نكبة فلسطين”، وتستمر إسرائيل ”صداعا مزمنا” فيرأس المنطقة العربية، وسرطانا ينهش جسد الأمة.


