مسلسل دموي بامتياز، تدفع النساء فيه أثمانًا باهظة من أعمارهن، لمجتمع قبلي ذكوري حتى النخاع. مسلسل لا تعرف له أولاً، ولا تعرف لحلقته الأخيرة موعدًا.. تعالت الأصوات مطالبة بإيقافه، بلا جدوى، حتى غدت صراخًا في الفراغ، متى تطلع شمس الحق على أبطاله.. والقتيلات تغدو وتصبح أعدادًا لجثث ليس إلا؟!، من يوقفه.. ودعوى القتل فيه “الشرف”؟!
رئيس تحرير مجلة زهرة القدس برام الله الإعلامية المهتمة بقضايا قتل المرأة على خلفية ما يسمى بشرف العائلة امتياز المغربي، تضع اليد على الجراح قائلة:” تلعب العادات والتقاليد الموروثة دورا أساسيا في تعزيز وتكريس هذه الظاهرة، لأن مصطلح الشرف والعفة من مكونات العقلية الذكورية التي تميز المجتمعات العربية عمومًا، والمجتمع الفلسطيني خصوصًا، إذ تمنح الصلاحية التامة للرجل بالحفاظ على هذه القيمة بالطريقة التي يراها مناسبة حتى وإن وصلت إلى حد ارتكابه جريمة، وحتى لو لم يكن هناك أي علاقة بين الشرف وحقيقة الدافع الذي وقف خلف قتله للمرأة فإنه يجد غطاءً اجتماعيًا يحسن حمايته”.
وتضيف المغربي:” مع هذا الازدياد في أعداد النساء المغدورات، لم يعد يخفى علينا أن “الشرف” حجة واهية يتستر القتلة خلفها، إن التشريح أثبت أن ما يزيد عن90 بالمئة من القتيلات عذراوات.. الحقيقة أن أي مطالبة للمرأة بحقوقها يضعها في مواجهة حقيقية مع معدمها، لقد سمعنا عن سيدة عمرها 34 عامًا من نابلس، طلبت أن تتزوج، رغم رفض العائلة التي خافت من ضياع الإرث، ولما وأصرت، قتلها أخوها”.
المغربي ترى أن دور الإعلام الفلسطيني ما زال ضعيفًا تجاه إحداث تغيير في توجهات الرأي العام، والدليل على ذلك أن المجتمع ما زال يميل إلى الشك في أخلاق المرأة المقتولة، أكثر مما يتساءل عن محاسبة الجاني.
وقللت المغربي من شأن المؤتمرات والفعاليات “الهزلية” التي تنظمها المؤسسات النسوية في الضفة والقطاع، معتقدة أنه يجب توحيد الجهود، وتحديد مسارات العمل والأهداف، بدلاً من هذا التخبط والتيه، مع وضع تغيير قانون العقوبات الفلسطيني الذي لا يشكل رادعًا كافيًا على قائمة الأولويات.
انعدام الثقة في القضاء
من جهتها بينت المحامية زينب الغنيمي مديرة مركز الأبحاث والاستشارات القانونية للمرأة، بغزة، أن انعدام ثقة المرأة الفلسطينية بالقضاء تشكل أهم أسباب ضياع حقوقهن، وعلى رأسها حقهن في الحياة.
وتوضح الغنيمي:” غالبا ما تقتل المرأة بسبب نضالها في سبيل حقوقها بمفردها، دعوى الشرف هذه كذبة كبرى يلجأ إليها القاتل أملاً من الاستفادة من بعض الثغرات في قانون العقوبات الفلسطيني، وحتى لو لم تكن كذلك فإن القتل يتم بالشبهة وليس باليقين”.
وانتقدت الغنيمي الجهات المسئولة لعدم أخذها حساسية قتل النساء بعين الاعتبار عند إجراء التحقيقات، بالإضافة إلى التباطؤ غير المعقول، وعدم الإعلان عن العقوبة، وبالتالي غياب قيمة القانون الرادعة للجاني ولكل من تسول له نفسه تكرار الجريمة.
ولفتت الغنيمي إلى أن المشكلة في قانون العقوبات الفلسطيني رقم 74 لسنة 36 المطبق في قطاع غزة تكمن في المادة 18 التي تنص على:”يستفيد من العذر المخفف الشخص الذي يرتكب جريمة في حال الدفاع عن ماله أو شرفه أو عرضه أو نفسه أو مال غيره أو شرفه أو عرضه أو نفسه”.
وواصلت:” هذه المادة تطبق بشكل خاطئ لأن من يستفيد منها هو من قتل تحت تأثير المفاجأة، وهنا لبس آخر ففيمن ارتكبت الجريمة؟! في المرأة أم فيمن اعتدى عليها؟!، وما هو مفهوم “الشرف” القانوني أصلاً؟!..علمًا بأنه لا توجد في هذا القانون عقوبة للزنا”.
تأخير المحاكم الفلسطينية
الغنيمي أشارت أيضًا إلى حالات القتل التي تسجل لدى الشرطة كحالة انتحار بهدف إخفاء معالم الجريمة، ومن ذلك ملف تهاني كساب الذي المتزوجة التي طالب أهلها بإعادة التحقيق في ملابسات وفاتها بعد إدعاء عائلة زوجها حرقها لنفسها، مشددة على ضرورة الخروج من مأزق الانقسام الفلسطيني الذي يقف عائقًا أمام اعتماد أي قانون جديد قد يلعب دورًا في تقليص حالات القتل هذه وربما التخلص منها تماما.
في سياق متصل، أشارت المحامية في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان بالضفة الغربية خديجة البرغوثي إلى ارتفاع معدلات قتل النساء، عموما، في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية خلال العام المنصرم 2013 مقارنة بالعام الذي سبقه.
كما رأت البرغوثي أنه من الصعب الحكم إن كانت أعداد من قتلن على خلفية قضايا الشرف في ازدياد، وذلك بسبب تأخير المحاكم الفلسطينية في البت في دافع الحالات المتبقية، لكنها حذرت من ارتفاع وتيرة العنف في المجتمع الفلسطيني بشكل عام.
العذر المحل
وبشأن مشكلات قانون العقوبات الأردني المطبق في الضفة الغربية منذ 1960، شرحت البرغوثي:” المادة 340 أجازت العذر المحل للزوج أي إذا وجد الزوج زوجته على فراش الزوجية تخونه وقام بقتلها لا يحاسب ولا يحاكم، والعذر المحل قد يخفف الحكم لشهور أو قد يلغيه تماما، كذلك فإن المادة 98 من ذات القانون تضمن لكل من أقدم على قتل إحدى قريباته وهو في حالة الغضب أن يستفيد من العذر المخفف وألا يحاكم على أنه قاتل، وتكون مدة سجنه من ستة أشهر إلى سنتين”.
وكانت البرغوثي اعتقدت ككثيرين أن قضية آية برادعية التي قتلت وألقت في البئر ستكون نقطة تحول على صعيد إيجاد قانون عقوبات عصري، لكنها باءت بخيبة الأمل فحتى القرار بقانون الذي صدر عن الرئيس محمود عباس عقب الضجة التي تلت مقتل برادعية، لا يطبق في غزة بسبب الانقسام.
البرغوثي بدورها شددت على ضرورة العمل بالتوازي على إحداث تغيير في الثقافة المجتمعية، والقانون، بحيث يضمن الأخير اعتبار جرائم قتل النساء جرائم قتل عادية، واتباع إجراءات متساوية للجميع، مع عمل تحالفات بين مؤسسات المجتمع المدني المعنية للضغط وإحقاق ذلك.


