تجلس “عائشة” على سريرها هادئة مستكينة، تبتسم متناسيةً ما قد مضى، حتى يحار العقل في فهم ما آلت إليه ذاكرتها الثمانينية المليئة بالصور، وآخرها صورة لها تغادر بيت زوجها الذي وافته المنية بعد أن قضى معها أكثر من ستين عامًا.
تقول عائشة:” إحنا من البطاني، كان في عنا عرس لابن عمي، وكنا طالعين نزف العروس، شافني عبد اللطيف، ومع إنه كان متجوز عجبته وخطبني، وعشان أهلي يوافقوا أعطاهم عشر دنومة و3 جمال”.
وعاشت عائشة مع عبد اللطيف هذه السنوات، هاجرت معه، ربت معه، عانت من الفقر في المخيم معه، حتى كبر أولادهما الثلاثة وسافروا إلى السعودية للعمل هناك، فتمكنوا من الإنفاق على الأبوين، إلى أن توفي اثنان منهما، وكبر الآخر وتولى أولاده الإنفاق عليه فلم يعد بمقدوره إرسال النقود.
عبد اللطيف الذي أحسن معاملة عائشة حسبما تتذكر، توفي قبل سنتين، ومنذ ذلك اليوم إلي ما قبل ثلاثة شهور وهي تعيش وحيدة في بيتها، حتى لقد باتت تشعر بالخوف، والوحشة، والوحدة، فقررت أن تنتقل إلى بيت المسنين ليتكفلوا برعايتها.
“عبلة” هي الأخرى اتخذت ذات القرار حين لم يعد بمقدورها أن تصير عبئا على زوجها الذي تركت كل شيء في الضفة الغربية وراءها من أجل أن تتزوجه، لكن الله لم يشأ أن يرزقها منه بالذرية الصالحة، فأقنعته أن يتزوج بغيرها، ففعل، وأنجب من زوجته الثانية بنات اعتبرتهم عبلة مثل بناتها تماما.
حين كبرت عبلة وكبر زوجها، لم تعد زوجته الثانية قادرة على خدمة الاثنين معا، فقررت هي أن تقنعهما بالمغادرة، وبعد صعوبة شديدة اقتنعا، لكنها لم تغادر إلى الضفة الغربية التي جثم الاحتلال على أنفاسها، باحثة ولو عن رائحة أهلها وأقاربها، لقد اختارت أن تكون ونيسة لعائشة في ذات الغرفة.
عبلة تقول:” الغربة مش بس إنك تترك وطنك، ممكن تعيش بين أهلك وناسك وتضل حاسس إنك غريب ووحيد”.
ويتفق الحاج “حسين” أو كما تعودوا على مناداته بأبي العلا مع عبلة، فهو الذي ولد كفيفًا، وتوالت عليه الابتلاءات حتى أصيب بالشلل النصفي في طفولته، فلم يستطع أن يتزوج وأن ينجب أطفالاً يشدوا أزره في كبره، فعاش عند أخيه الأصغر، حتى كبر هو الآخر، فآن الأوان أن يغادر حسين الذي بات يشعر بأنه عبء.
الحاج حسين من مواليد قرية الجورة عاش فيها ثلاث سنوات، وهاجر مع والديه فعاش في مخيم الشاطئ سنوات طوال، وها هو اليوم يلجأ من جديد لدار المسنين، حيث لم ينساه أخوه الذي يحرص على زيارته كلما سنحت فرصة.
ورغم المعاملة الحسنة التي يلقاها الحاج حسين في دار المسنين حيث يقطن إلا أنه يظن أنه لو ظل مع باقي النزلاء في قراهم، لاستطاعت الألفة والمحبة بين الناس أن تسد بما يكفي لضمان حياة سعيدة وكريمة.
ذكريات مقتضبة من أعمار مليئة بالتفاصيل، اقتطعتها ألسنة متعبة شاخت من فرط الآلام التي عاشتها، وها هي اليوم تنتظر.. تنتظر كل كلمة أو نظرة أو لمسة حب تعني بالضرورة عودة إلى الحياة السعيدة من جديد.



